محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
772
تفسير التابعين
صارت القراءات التي تخالف الرسم شاذة لفقدها شرط التلقي بالتواتر ، وموافقة الرسم ؛ إلا أنه قد وردت الروايات عن شيوخ مدارس التابعين من الصحابة فيها شيء من الترجيح ، والتخطئة لبعض القراءات ، وهذه الروايات اعتمد عليها بعض المستشرقين في طعنهم في القرآن ، وقبل مناقشة هذه الروايات أود أن ألفت النظر إلى عدة قضايا هامة : القضية الأولى : أن توثيق القرآن جاء بأعلى درجات التوثيق التي عرفها الناس ، فالصحابة مع أنهم كانوا حفاظا ، إلا أنهم كانوا يعتمدون في التوثيق ما كان مكتوبا ، وشهد على كتابته في عهد النبي رجلان فأكثر ، ولما شعر عمر بن الخطاب أن هشاما يقرأ بحروف غير التي أقرأها له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساوره ولببه خشية على القرآن أن يحرفه أحد ، هذا بخلاف حفظ اللّه سبحانه ووعده بذلك إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » . ومما يشهد لدقة الكتابة أنهم كتبوا ( قال ) بالألف في مواضعها من القرآن إلا في آخر الأنبياء فقد رسمت ( قل ) « 2 » بدون ألف ، ليتمكن من قراءتها على القراءة الأخرى بفعل الأمر ، وله نظائر « 3 » . القضية الثانية : ليس ثبوت صحة الرواية فرع عن ثبوت سندها فقط ، فقد يصح السند ، والحديث شاذ ، أو منكر « 4 » ، ولذا فإن الروايات التي فيها القول بخطإ الكاتب ، أو سيلان المواد ، أو أن الكاتب كتبها وهو ناعس ، وهي قليلة ، لا يكفي ثبوت سندها أن تكون صحيحة ، بل هي منكرة شاذة لمخالفتها ما هو أوثق ، وأدق ، وأصح .
--> ( 1 ) سورة الحجر : آية ( 9 ) . ( 2 ) في قوله تعالى : قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ الأنبياء ( 112 ) . ( 3 ) يراجع في ذلك كتب الرسم العثماني ، مثل كتاب الرد على من خالف مصحف عثمان لابن الأنباري ، وينظر بعض الأمثلة لدقة الكتابة وإصلاحها في الإتقان ( 2 / 240 ) . ( 4 ) تدريب الراوي ( 1 / 238 ) .